فصل: تفسير الآيات (115- 127):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: التفسير القرآني للقرآن



.تفسير الآيات (99- 104):

{كَذلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْناكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْراً (99) مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وِزْراً (100) خالِدِينَ فِيهِ وَساءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ حِمْلاً (101) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً (102) يَتَخافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ عَشْراً (103) نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْماً (104)}.
التفسير:
بدأت قصة موسى بتوجيه الخطاب إلى النبيّ صلى اللّه عليه وسلم بقوله تعالى.. {وَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى} ثم جاءت الآيات بعد هذا تحدّث بهذا الحديث.. فهو إذن حديث مساق إلى النبيّ، صلوات اللّه وسلامه عليه.
تسرية له، وتثبيتا لفؤاده، بما يشهد من مواقف النبيين مع أقوامهم، ومواقف أقوامهم منهم، وما يلقى النبيون من معاندين، وضالّين، وسفهاء.
ثم إذا انتهت القصة، عاد الخطاب إلى النبيّ- صلوات اللّه وسلامه عليه- توكيدا للخطاب الأول، وتذكيرا به، وأن هذه القصة، وغيرها من القصص القرآنى، إنما كانت من أجل النبيّ.. ثم إنه من جهة أخرى إيناس له صلوات اللّه وسلامه عليه، بهذه الصلة الدائمة بينه وبين ربّه، بهذا الخطاب الذي يخاطب به من ربّه..، في ثنايا الآيات التي تتنزل عليه.
وقوله تعالى: {كَذلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْناكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْراً}.
إشارة إلى أنه بمثل هذا القصص يقصّ اللّه على النبيّ- صلوات اللّه وسلامه عليه- أنباء ما قد سبق من أحوال الرسل والأمم.. وأن قصة موسى هذه ليست إلا واحدة من القصص الذي سيقصه اللّه سبحانه وتعالى على النبيّ، فيما سينزل من القرآن بعد هذا.
وفى قوله تعالى: {وَقَدْ آتَيْناكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْراً} إشارة أخرى إلى أن القرآن الذي بين يدى النبيّ، وما فيه من آيات، دالّة على قدرة اللّه، وما فيه من شرائع وأحكام- هو ذكر لمن يتذكر، وعظة لمن يعتبر، وأن هذا القصص ليس إلا من بعض آيات اللّه التي تحمل العظة والعبرة.
قوله تعالى: {مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وِزْراً خالِدِينَ فِيهِ وَساءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ حِمْلًا}.
أي من أعرض عن هذا القرآن، ولم يقبل عليه، وينتفع به، ويأخذ بما فيه من عبر وعظات، وأحكام وشرائع- من أعرض عن هذا الذكر فإنه قد خاب وخسر، وجاء يوم القيامة حاملا {وزرا} أي إثما عظيما، ينوء به كاهله، ويعيا به جهده.. لأنه يحيا بغير نور، ويسعى على غير هدى.
ثم يتجه الخطاب بعد هذا إلى المعرضين جميعا عن هذا الذكر.. إنهم سيحملون هذا الوزر أبدا، لا يتخلّى عنهم، ولا يرفع عن كواهلهم.. وهو حمل يسوء حامليه يوم القيامة، ويصبّ عليهم البلاء صبّا.
والسرّ في إفراد الخطاب أولا، ثم في جمعه ثانيا {مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ} {وَساءَ لَهُمْ}، هو- واللّه أعلم- أن الإعراض عن الذكر حال من أحوال الإنسان فيما بينه وبين نفسه.. لا ينكشف لغيره من الناس، إلا ما شفّ عنه عن ظاهره، أما ما انطوى عليه باطنه- وهو الذي يمثل الحقيقة، فإنه سرّ بين الإنسان وخالقه.
أما يوم القيامة، فلا سرّ، حيث تفضح الأعمال، وينكشف المستور.
وهنا يجتمع المجرمون إلى المجرمين.. وإذا هم جميعا على حال سواء.
قوله تعالى: {يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً}.
الظرف هنا {يوم} هو بدل من الظرف في قوله تعالى: {وَساءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ حِمْلًا} فيوم القيامة، هو يوم النفخ في الصور، حيث يحشر المجرمون يومئذ زرقا، أي زرق الوجوه، لما يركبهم يومئذ من همّ وكرب، وما يظهر على وجوههم من آثار هذا الهم، وذلك الكرب، إذ كانت الوجوه هي التي تكشف عما يقع على مشاعر الإنسان من سوء أو مسرة.. كما يقول سبحانه وتعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ} [22- 25: القيامة].
وكما يقول سبحانه في وجوه أهل النعيم {تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ} [24: المطففين] وفى وجوه أهل الشقوة والجحيم: {وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ تَرْهَقُها قَتَرَةٌ أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ} [40- 42: عبس].
والزرقة التي تعلو الوجوه، هي أولى الدلالات على انحباس الدم وتجمده في كيان الإنسان، مما يعانى من ضيق وبلاء! قوله تعالى: {يَتَخافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْراً نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْماً}.
يتخافتون: أي يتحدثون بحديث خافت، يسترونه بينهم.. فيقول بعضهم لبعض {إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْراً} أي: ما لبثتم إلا عشرا، أي عشر ليال في دنياكم هذه التي كنتم فيها.
وقوله تعالى: {نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ} إشارة إلى علم اللّه سبحانه وتعالى بكل ما يسرّ به بعضهم إلى بعض، وبكل ما يجرى في خواطرهم.
وقوله تعالى: {إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْماً} أي ونحن أعلم بما يقوله {أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً} أي أعدلهم قولا، وأقربهم إلى الحال التي يجدونها في أنفسهم: {إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْماً} أي ما لبثتم إلا يوما.. فهذه الدنيا، وما تقلّب فيه أهلها، من نعيمها، وسلطانها، لا تبدو لأهلها يوم القيامة إلا أشبه بيوم، طلعت شمسه، ثم غربت.. {وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ} [185: آل عمران].

.تفسير الآيات (105- 114):

{وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً (105) فَيَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً (106) لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً (107) يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْساً (108) يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً (109) يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً (110) وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً (111) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً (112) وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً (113) فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً (114)}.
التفسير:
ذكرت الآيات السابقة على هذه الآيات، يوم القيامة، وما يقع للظالمين فيه، وما يجرى بينهم من أحاديث متخافتة.. وكان مما يسأل عنه من شأن هذا اليوم.. هذه الجبال.. وهل تبقى على ما هي عليه؟ فكان السؤال، وكان الجواب:
{وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ} أي ما شأنها يوم القيامة؟ وهل تظلّ قائمة؟
وهلّا يجد الناس فيها يومئذ عاصما يعتصمون به في مغاراتها وكهوفها، من هول هذا اليوم.. {فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً} أي يدكها دكّا، ويهدّها هدّا، فإذا هي تراب على هذا التراب: {فَيَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً} أي يتركها، ويصيرها، {قاعا} كهذه القيعان التي كانت تعلوها.
والقاع: الأرض المنخفضة.. والصفصف: المستوي من الأرض.
{لا تَرى فِيها عِوَجاً} حيث تسوى بوجه الأرض، فتكون هي والأرض بساطا واحدا، لا عوج فيه، لأن العوج إنما يبدو في الأماكن البارزة.
{وَلا أَمْتاً} أي لا ارتفاعا ولا انخفاضا، بل كلها على سواء.
وقوله تعالى: {يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً}.
أي في هذا اليوم، يستجيب الناس- بعد أن يبعثوا من قبورهم- يستجيبون لصوت الداعي الذي يدعوهم إلى المحشر، دون أن ينحرفوا أو يتلبثوا.
{وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ} أي سكتت الأصوات، خشية وجلالا للّه سبحانه وتعالى {فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً} فلا يكون هناك إلا الهمس والتخافت.
قوله تعالى: {يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا}.
أي في هذا اليوم لا تنفع الإنسان شفاعة في نفسه إلا من أذن له الرحمن بالقول، والمحاجّة عن نفسه.. ثم كان قوله هذا مقبولا عند اللّه، مرضيا عنه.
والمراد بالقول، هو القول الذي يعرض فيه الإنسان أعماله في الدنيا، من خير وشر، وحسن وقبيح.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: {يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً} [38: النبأ].
قوله تعالى: {يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً}.
أي أن اللّه سبحانه يعلم من أمر عباده كل شيء.. فما ينطقون به، وما لم ينطقوا به، هو في علم اللّه، لا يعزب عنه شيء.. أما هم فإنهم لا يحيطون علما باللّه سبحانه وتعالى، ولا يدركون كنهه وحقيقته.
قوله تعالى: {وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً}.
أي في هذا اليوم تعنو الوجوه، وتخضع الرقاب للّه الحي القيوم.
لا تملك نفس لنفس شيئا.. {وَقَدْ خابَ} وخسر في هذا اليوم {مَنْ حَمَلَ ظُلْماً} أي من جاء وهو يحمل على كاهله {ظلما} أي منكرا من المنكرات وأفدح الظلم وأبهظه، هو الشرك باللّه كما يقول سبحانه: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}.
وذلك هو البلاء العظيم، والخسران المبين.
قوله تعالى: {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً} أي أما من جاء بالصالحات من الأعمال، وكان مؤمنا باللّه، فإنه في أمان من أهوال هذا اليوم.. {فَلا يَخافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً}.
بل سيجد الجزاء الحسن لما عمل، ويوفّى أجره كاملا، بل ويضاعف له أجره.. {وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً}.
والهضم: هو الجور على الحقوق، وبخسها ونقصانها.
قوله تعالى: {وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً}.
أي بمثل هذا التّصريف، والتنويع، في عرض ما يعرض من صور الوعيد لهذا اليوم، والتخويف منه- صرّفنا، وعرضنا هذه المعارض من أهوال الآخرة، وما يلقى الظالمون فيها.. وذلك ليكون للناس من ذلك ما يحملهم على اتقاء أهوال هذا اليوم، بالإيمان باللّه، والأعمال الصالحة التي تنال مرضاته.
فإن لم يتقوا هذا اليوم، ويعملوا له، فلا أقلّ من أن يحدث لهم هذا التصريف والعرض لعذاب هذا اليوم- ذكرا، أي تذكرا له، وإحساسا به.. فإذا صحبهم هذا الإحساس، كان من شأنه أن يحيد بهم عن طريق الضلال يوما إلى طريق الهدى والإيمان.
أما من لا يكون لهم من هذا التصريف ما يبعثهم على التقوى، أو استصحاب الخوف من عذاب اللّه- فهم الخاسرون الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة.
وفى قوله تعالى: {أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا} إشارة إلى هؤلاء المشركين من قريش، وأن هذا التصريف من الوعيد، قد جاءهم بلسان عربىّ مبين، بحيث لا نخفى عليهم دلالاته، وإذن فلا عذر لهم، إذا هم عموا عن النظر في آياته البينات! قوله تعالى: {فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً}.
{فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ} أي تنزّه، وعلا، وعظم، سبحانه وتعالى جلّ شأنه.. فهو {الْمَلِكُ الْحَقُّ} له الملك وحده، لا يشاركه فيه غيره، ولا يملك معه أحد شيئا.. فهو- سبحانه- المالك ملكا حقيقيا لكل موجود.
وفى هذا المقطع من الآية تمجيد للّه، وتنزيه له.. لأنه سبحانه وحده المستحق للتنزيه والتمجيد، والحمد، إذ خلق الوجود، وأقام كل مخلوق فيه، وهداه إلى ما هو أصلح له، ورسم للناس طريق الهدى، وأبان لهم معالمها، وبعث فيهم رسله، مبشرين ومنذرين.. {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [165: النساء] {وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ}.
هو دعوة للنبى صلى اللّه عليه وسلم ألّا يعجل بقراءة ما ينزل عليه من القرآن، من قبل أن ينتهى جبريل- مبلّغ القرآن- من الإفضاء بكل ما أمر بتبليغه.
وقد كان النبيّ صلوات اللّه وسلامه عليه، كلّما سمع آية أو بعض آية من جبريل ردّدّها خوفا من نسيانها.. ثم يصل ما سمع بما يسمع.. وذلك حرصا منه صلى اللّه عليه وسلم، على ألا يفوته شيء من كلمات ربّه.
فجاء قوله تعالى: {وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ} إرشادا، وتعليما، للنبىّ، وتوجيها كريما لحسن الاستماع لآيات اللّه.. كما يقول سبحانه: {وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} [203: الأعراف].
وقد جاء في موضع آخر، قوله تعالى: {لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ} [16- 19:
القيامة].
وجاء في موضع ثالث قوله سبحانه: {سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى} [6: الأعلى].
وهذا كلّه تطمين للنبىّ، وإزالة لمخاوفه من أن يفوته شيء من كلام ربّه.
فاللّه سبحانه وتعالى سيقرئه، واللّه سبحانه وتعالى، سيحفظ عليه ما قرأ، فلا ينسى.
وفى قوله تعالى: {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً}.
أي اطلب المزيد من العلم، فيما ينزل عليك من آيات ربك.. فهذا الذي أخذته من كتاب اللّه، هو قليل بالنسبة إلى الكثير الذي لم ينزل عليك بعد.. فلا تعجل!! وصبرا، فإن ما عند اللّه لك، كثير.

.تفسير الآيات (115- 127):

{وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً (115) وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبى (116) فَقُلْنا يا آدَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى (117) إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى (118) وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى (119) فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى (120) فَأَكَلا مِنْها فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى (121) ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى (122) قالَ اهْبِطا مِنْها جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى (124) قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً (125) قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى (126) وَكَذلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقى (127)}.
التفسير:
قوله تعالى: {وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً}.
مناسبة هذه الآية لما قبلها، هي أن الآية السابقة عليها، قد جاءت إلى النبيّ الكريم منبهة له ألا يعجل بالقرآن، وألا يسبق الوحى، حتى ينتهى جبريل من أدائه.
وهذا الذي ينزل من القرآن الكريم، هو عهد بين النبيّ وربّه، وأن من واجبه أن يتثبت منه، وأن يقف طويلا عند آياته وكلماته، حتى يقوم بالوفاء بهذا العهد، على أكمل كماله، وأتم تمامه.
وهذا عهد كان بين اللّه سبحانه وتعالى، وبين آدم.. وقد نسى آدم هذا العهد، فكان أن وقع في المعصية..!
واللّه سبحانه وتعالى يريد أن يعصم النبي- صلوات اللّه وسلامه عليه- مما وقع فيه آدم.. ولهذا، فهو سبحانه، يدعوه إلى التثبت من الوحى.. ثم يعرض له صورة يمكن أن تحدث له، إذا لم يتثبت مما يتلقى من آيات ربّه.
والعهد الذي عهد به سبحانه وتعالى إلى آدم، هو قوله سبحانه وتعالى: {وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ} [35: البقرة].
وقوله تعالى: {فَنَسِيَ} أي نسى آدم عهد ربّه، وأكل من الشجرة!
وفى التعبير عن مخالفة أمر ربّه وأكله من الشجرة، بالنسيان، إشارة إلى ما شمل اللّه سبحانه وتعالى به آدم من لطفه ورحمته.. فتاب عليه، وغفر له، وجعل معصيته تلك من قبيل ما يقع من الإنسان من سهو ونسيان!- وقوله تعالى: {وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً} إشارة إلى أن آدم قد ضعف أمام إغراء الشيطان له، ولم يجد العزم الذي يمضى به أمر ربّه، ويخزى به الشيطان الرجيم، ويكبته! قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى}.
هو استعراض لقصة آدم، وعهد اللّه إليه.
وفى القصة تقديم وتأخير. فقد قدمت خاتمتها على أحداثها، فقوله تعالى:- {وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ} هو ختام القصة، أو التعقيب عليها، وقدّم للاهتمام به، ولإلفات النبيّ إليه، لأنه هو المقصود من القصة هنا.
قوله تعالى: {فَقُلْنا يا آدَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى}.
وتوجيه الخطاب إلى آدم في قوله تعالى: {فَتَشْقى} إشارة إلى أن آدم هو الذي يحمل العبء الأكبر في مواجهة الحياة، إذا هو خرج من الجنة.
قوله تعالى: {إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى}.
تلك هي جنة آدم..!
إنها غابة من تلك الغابات الكثيفة، التي تكثر فيها الفاكهة والظلّ والماء.
فمن فاكهة تلك الجنة يأكل هو وزوجه.. فلا يجوع.. ومن ماء الينابيع يشرب، فلا يظمأ.. وفى أكناف الغابة يستكن، ولا يخرج للعراء.
وفى ظلال الأشجار، يتّقى أشعة الشمس.. فلا يضحى.. أي لا يجد الحرّ الذي يتسلط عليه من الشمس، حين يكون بالضّحّ، أي العراء.
تلك- في رأينا- هي جنة آدم، وهى جنة أرضية، وآدم في هذه الجنة، أو الغابة لم يكن إلا الثمرة الأولى التي نضجت على هذه الأرض، من شجرة الحياة.
وقد عرضنا لهذه القضية في مبحث خاص، في الجزء الأول من كتابنا هذا: التفسير القرآنى للقرآن.
قوله تعالى: {فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى فَأَكَلا مِنْها فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى}.
ولقد استجاب آدم لإغراء الشيطان، ولدوافع نفسه للكشف عن هذا السر المضمر في تلك الشجرة، التي نهى عن الأكل منها.. فأكل منها هو وزوجه.
وهنا تكشفت لهما الحقيقة من أمرهما، ونظرا إلى وجودهما- لأول مرة- نظرة واعية مدركة، فرأيا أنهما على حال من العرى، لا تليق بهما.. فأخذا يخصفان عليهما من ورق الجنة، ليسترا به عورتيهما.
وقوله تعالى: {وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى} إشارة إلى موقف آدم بعد أكله من الشجرة.. لقد عصى ربه، عصاه لأنه أصبح ذا إرادة، تجيء منها الطاعة، كما يجيء منها العصيان! وهو بهذا العصيان قد غوى أي ضلّ، إذ اتبع الجانب المنحرف من إرادته، ولم يتبع الجانب المستقيم منها.
قوله تعالى: {ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى}.
إشارة إلى أن اللّه سبحانه، قد تجاوز لآدم هذا، عن فعلته تلك.
إذ كانت أول زلّة له، وهو يضع أول قدم له على طريق الإنسانية.. ثم هداه ربّه بعد هذا، وثبت قدمه على الأرض، بما فتح له عقله من آفاق واسعة فيها، لا تزال نتسع يوما بعد يوم.. إلى ما شاء اللّه.
قوله تعالى: {قالَ اهْبِطا مِنْها جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى} والهبوط هنا، هو الخروج من الجنة أو الغابة، إلى حيث الحياة الواسعة الرحيبة.
والخطاب هنا للآدميين، الذين خرجوا من عالم الغابة، إلى عالم الإنسان في شخص آدم وزوجه.. وهم في هذا العالم، متنافسون، متنازعون، متعادون.
تنفرق بهم السبل، وتنحرف الاتجاهات.. وقد كان من رحمة اللّه بهم أن بعث فيهم رسله، يحملون في أيديهم مصابيح الهدى.. فمن اتبع هدى اللّه، فلا يضلّ ولا يشقى.. ومن أبى، وأعرض عن ذكر اللّه والاستقامة على هداه، فإنه سيحيا في هذه الدنيا حياة تعسة ضالة، يضرب فيها في ظلام، لا يرى فيه بصيصا من الأمل والرجاء.. ثم يحشر يوم القيامة أعمى، حيث يشتد به الكرب، وتغيم في وجهه المرئيات، فلا يرى إلا ظلاما وضلالا.
قوله تعالى: {قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى}.
وفى ذلة وانكسار، يسأل الظالم ربه: {لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً} في الدنيا.. ويأتيه الجواب من الحق سبحانه وتعالى: {كَذلِكَ} أي كهذا العمى الذي أنت عليه في الآخرة، كنت في الدنيا، إذ أتتك آياتنا فعميت عنها، وأهملت النظر فيها.. {وَكَذلِكَ الْيَوْمَ} أي في هذا اليوم، يوم القيامة {تنسى} أي تترك فيما أنت عليه من عمى.
قوله تعالى: {وَكَذلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْبِآياتِ رَبِّهِ وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقى}.
أي بمثل هذا الجزاء نجزى من أسرف على نفسه، ودفع بها في متاهات الضلال، ولم يؤمن بآيات ربه التي عرضت عليه.. إنه يحشر يوم القيامة أعمى.. ثم إن وراء هذا عذابا هو أشدّ من هذا العمى، وأبقى أثرا.